كثيراً ما أسأل نفسي لماذا غابت الضحكة عن الشعب المصري؟!!.. ولماذا رحلت حتي ضحكته الساخرة؟!!.. يقال دائما أن المصري “ابن نكتة” أم تحول ليصبح “ابن دمعة”.. المصري هو فيلسوف النكتة والضحكة وكان دائماً يضحك من القلب. وكان من كثرة ضحكته الصافية يقال “كثرة الضحك تميت القلب “!!”.. المصري الضحوك الآن فاقد القدرة علي الضحك. لدرجة أنه فاقد القدرة علي الابتسامة.. كان المصري “يفلسف” مشاكله وأحزانه بالضحك والنكتة الموجعة. وحتي النكتة الموجعة والمؤلمة لم يعد يستطيع صياغتها. ربما يرجع السبب لزخم وكثرة المشاكل المتلاحقة والتي في معظم الوقت تحاصره. ليس هناك لترجمة هذا السيل من الاحزان إلي نكتة. حتي أصبحت الضحكة والنكتة من نسيج زمن انتشرت فيه الفوضي والآلام. لم تكن الأحداث الداخلية هي فقط السبب. من بطالة وتفشي الأمراض والأوبئة وانهيار التعليم وفقد أن المنظومة الاجتماعية من الكثير من دعائمها ورواسخها وقيمها الموروثة وضياع الشخصية المصرية وفقدان ملامحها. ليس فقط زخم الأحداث المروعة بالداخل من تحرش جنسي وعلمي وثقافي فالتحرش ليس جنسيا فقط. فقد امتدت الأحداث بسخونتها للعالمين العربي والأوروبي والأمريكي : الأول فقدان التواصل الحميم لأصحاب القضية الواحدة بين الأقطار العربية وعلاقة مصر بأوروبا وأمريكا وهي علاقة أصبحت معلنة وشديدة التوتر.. كل هذا الزخم أفقد الإنسان المصري طعم الضحك. بل خاصم الضحكة إلي الأبد في زمن “إنفلونزا العبط”؟ خصام دام طويل بين المصري والضحكة وهمومه “!!”.
في فوضي الأحداث وفوضي المنظومة الثقافية التي كنا نعتبرها خط الدفاع الأول بين ما هو رافد وقام من الخارج وبين فساد الداخل وبين العبث والفوضي والتدني والاباحية القادمة عبر القنوات الفضائية المختلفة. وسط هذا “غابت الكوميديا المسرحية” عن وزارة الثقافة متمثلة في مسرح الدولة من خلال فرقة المسرح الكوميدي. هذه الفرقة الغائبة لسنوات طويلة سواء من زمن مديرها الحالي أو بعض المديرون الذين سبقوه. والسؤال ماذا قدم المسرح الكوميدي للكوميديا المسرحية؟!!.. أقولها وبتحدي العبرة بالموجود؟ لا شيء “!!” بل داهم الكوميديا وأصابها بالقتل.. هذا المسرح صاحب التاريخ الطويل وصاحب الأعمال الكبري للكتاب الكبار ولمجموعة المخرجين. بل نجح المسرح في ارتكاب. جريمة من النوع الثقيل حيث نجح في إهدار كرامة الكتاب وضياع جيل كتاب الكوميديا وضياع كل أجيال المخرجين لهذا النوع ومنهم من هم علي قيد الحياة ويعيشون في اهمال دائم ونتيجة التخبط تعاقب علي فرقة الكوميدي مديرين علي قدر من انعدام الاهمية إلي أن تولي إدارته كاتب كوميدي قدم الكثير من المسرحيات الكوميديا للقطاع الخاص وهو الكاتب مدحت يوسف وكان الظن أنه ثمة نهضة للمسرح الكوميدي ولكن ما أشبه الليلة بالأمس فمنذ أن تولي إدارة الفرقة لم يقدم شيئاً سوي العرض المزمع افتتاحه في العيد أو خلال العيد أو بعد العيد أو الله أعلم وتحت مسمي “الناس بتحب كده” ويلعب بطولته المطرب إيمان البحر درويش ولا نملك إلا الانتظار لعل وعسي ولنشهد باكورة انتاج مدحت يوسف الذي ورث رائعة فيفي عبده.. وقبل أن ننسي رائعته أيضاً والتي قدمت في عهده “يا دنيا يا حرامي” ويالها من عرض كوميدي يتمتع بكل عوامل الفشل وفي كل عناصرها.. ليست الكوميديا فقط هي التي في أزمة. بل المسرح الكوميدي هو أيضاً في أزمة حقيقية وتعالوا بالورقة والقلم وفي طرح السؤال: ماذا قدم المسرح الكوميدي ليس فقط في عهد مدحت يوسف ولكن خلال الخمس أو العشر سنوات الماضية. ولأن فرقة المسرح الكوميدي جزء من منظومة انعدام الجدية وعناق الفشل والترهل والتراجع فقد أصابها الاخفاق هي الأخري في زمن يشبه ما يحدث علي كل الأصعدة الكروية والاقتصادية والدينية وخريطة ينال منها الجميع. لن يكون مسرح الدولة فقط هو المصاب بالعجز ولكن كل شيء أصابه العجز والتدني فإذا كانت الكوميديا الرسمية لفرقة الدولة قد اخفقت فإن الكوميديا في القطاع الخاص أصابها العطب والفشل والفوضي والترهل والتراجع وانظروا معي لخريطة مسرح القطاع الخاص ولا أجد سوي مقولة “عد غنماتك يا جحا” واحدة شبه “قايمه” وواحدة “نايمة” والكل “كليلة” وفي “الحشو بالتمام” الذي يصل للانهيار “!!”..
بالإضافة لزخم الأسباب هناك أسباب جوهرية ومحورية منها تدني أجور الكتاب وهجرة بعض المخرجين إلي امتهان مهنة التمثيل في الفيديو والسينما . شتان بين أجر كتاب المسرح وكتاب الفيديو. الأول يحصل علي الفتات والقليل جداً والثاني يحصل أو يقترب أجره من المليون وإذا كانت القضية متعلقة “بأكل العيش” فالمسرح “مايوكلش عيش حاف” فماذا يفعل كاتب المسرح؟.. ذهب كاتب المسرح إلي التليفزيون وكتابة المسلسلات. الكل ذهب إلي التليفزيون بحثا عن الأفضل في الأجور. خاصة أن الكتابة للمسرح أصعب قياسا مع كتابة المسلسلات التي تعتمد علي الحشو “!!” الحل في إعادة تحسين أوضاع الكتاب المالية. ولأن هناك اختفاء لهؤلاء الكتاب يمكن عمل مسابقة سنوية لكتاب المسرح الكوميدي كمحاولة للبحث عن هذه النوعية من الكتاب واحد الأسباب الهامة الغياب الدائم للجنة المسرح بالمجلس الأعلي للثقافة عن مشاكل المسرح المصري بعامة والكوميدية المسرحية علي وجه الخصوص ويبدو أن هذه اللجنة لا يرجي منها خيراً وتحتاج لمقال خاص لبحث ماهيتها ووظيفتها ودورها في الحركة المسرحية والذي لا أري له وجود علي الإطلاق “!!”..
هجرة الكاتب خلقت معها هجرة أخري للمخرجين سواء مخرجو المسرح الكوميدي أو المسرح علي وجه العموم مثل محمد أبوداود وهو عضو فرقة المسرح الكوميدي والمخرج الكبير فهمي الخولي والمخرج حسام الدين صلاح وغيرهم. الاهمال والغبن الذي تعرض له المخرج المسرحي جعله يبحث عن لقمة العيش في مكان آخر. ولا شك إن إهدار كرامة الكاتب والمخرج جريمة كبري والسؤال أين الوزير من كل هذا ولماذا يطرد وبصفة دائمة المسرح من أجندته ولماذا لا يشاهد بنفسه وأظن مع وجود بالوزارة كل هذه السنوات أنه يعرف كل كبيرة وصغيرة ويعرف حتي الأسماء ولماذا يعتمد في اختياراته علي هذا وذاك من معدومي الضمير. خاصة وانه جرب ترشيحاتهم له ولماذا لا يكون له مستشار خاص بشئون المسرح من الجادين والمخلصين؟.. ولماذا الأصرار علي هؤلاء بنفس الاشخاص ونفس الناصحين وهم أنفسهم الذين أوقعوه في كل الأزمات الثقافية الكبيرة والمرهقة له وللوطن “!!”.
أزمة الكوميديا كبيرة وتحتاج لحلول سريعة منوط بها الوزير شخصيا لشعب أرهقه الحزن والنقابة ورئاسة قطاع شئون الانتاج الثقافي والبيت الفني للمسرح والمسرحيين أنفسهم.. أزمة المسرح. أزمة الكوميديا. أزمة قومية تحتاج “غضبة” من الصامتين. من الغافلين. من المتسترين. ولا أظن أن مصر هانت عليكم بهذه الصورة البشعة؟!!
زوايا المنظور
** أزمة الكوميديا في رحم الصمت!!..
** “المستنقدون” من أمين لولاء يا قلبي لا تحزن!!..
** عاش حياته فاشلاً في الكتابة فذهب إلي النقد حتي يضحك عليه الناس!!
** مطرب في مسرحية كوميدية ومطربة في الطريق لو كان الكلام صحيحاً فلماذا لم تذهب للمسرح الغنائي؟!!
** في أزمة النص الكوميدي.. العودة لريبورتوار المسرح الكوميدي!!
** أطالب مدحت يوسف بإعلان مشاكله حتي يكون منتجاً إيجابيا.
** ماذا لو كان تعيين المديرين بالانتخاب؟!!
** هل ستظل الفرقة القومية للفنون الشعبية بلا مدير؟!!
** أحذر من هذا المدير للقومية!!
** قدرك يا مولانا.. اشرب!!
** مثل شعبي “إدي العيش لخبازه لو أكل نصه”!!..