هناك سلعة واحدة في الأسواق العالمية اعتاد الجميع أن يصفوها بـ”الملجأ الآمن”، ثم فوجئوا بأنها تحولت في الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى ساحة مضاربة محتدمة، تصعد وتهبط بوتيرة تحرج حتى كبار المحللين. هذه السلعة هي الذهب. وسؤال “الذهب إلى أين؟” لم يعد سؤال المضاربين والمستثمرين فقط، بل أصبح سؤالا استراتيجيا يشغل بال الكثير.
رحلة ثلاث سنوات: من 2,000 إلى 5,595 دولارا
لو رسمنا خطا زمنيا ، سنجد أن الذهب لم يتحرك بخط مستقيم، بل قفز على درجات متفرقة، كل درجة منها كانت استجابة لصدمة مختلفة:
• مايو 2023 — كسر الذهب حاجز 2,000 دولار للأونصة لأول مرة، مدفوعا بضعف الدولار وموجة تضخم عالمية.
• يناير 2025 — استقر عند نحو 2,625 دولارا للأونصة ، بدعم من استمرار شراء البنوك المركزية حول العالم بمعدلات غير مسبوقة.
• أبريل 2025 — قفزة حادة إلى 3,500 دولار في غضون أشهر قليلة، إثر تصعيد جيوسياسي مفاجئ هز الأسواق.
• ديسمبر 2025 — ذروة جديدة عند 4,534 دولارا، مع تسارع لافت في وتيرة الصعود.
• 29 يناير 2026 — الرقم القياسي التاريخي: 5,595.42 دولارا للأونصة، في خضم توترات سبقت الحرب الأمريكية الإيرانية التي اندلعت نهاية فبراير.
• 30 يناير 2026 — اليوم التالي مباشرة شهد تصحيحا حادا وهبط الذهب بنحو 500 دولار في جلسة واحدة، في درس قاسي للجميع ان السعر قادر علي التحرك في اتجاهين.
• وأخيرا الذهب يتداول عند نحو 4,130 دولارا للأونصة ، أي بعائد يفوق 120% مقارنة بمستواه في مطلع 2021، و أعلى بنحو 24% عن مستواه قبل عام واحد فقط.
ولذلك فهناك 4 أسباب رئيسة تؤثر علي سعر الذهب :
1 – ارتفاع الأسعار (التضخم) : التضخم في أمريكا ارتفع إلى 4.2% في مايو 2026، وهو أعلى مستوى منذ 3 سنوات. السبب هو ارتفاع أسعار الطاقة بعد اندلاع الحرب مع إيران. عندما ترتفع الأسعار، يشتري الناس الذهب لحماية أموالهم من فقدان قيمتها، وهذا يرفع سعره.
2 – قرارات البنك المركزي الأمريكي : البنك الاحتياطي الفيدرالي لم يخفض الفائدة منذ ديسمبر 2025، وهي معلقة حاليا عند نطاق 3.50% – 3.75%. والأهم أن كيفن وارش، الذي تولى رئاسة الفيدرالي في مايو 2026 خلفا لجيروم باول، حذف في أول اجتماع له أي إشارة لخفض الفائدة، بل كشفت توقعات اللجنة أن 9 من أصل 19 عضوا يرون احتمال رفعها قبل نهاية العام. الأسواق نفسها تسعّر حاليا احتمالا يفوق 50% لرفع الفائدة في سبتمبر. القاعدة المعروفة تقول: كلما ارتفعت الفائدة، قلت جاذبية الذهب (لأن الذهب لا يعطي فائدة، بخلاف الودائع او السندات) . لكن رغم ذلك، الذهب استمر في الصعود، لأن عوامل أخرى كانت أقوى، كما سنرى.
3 – دولار قوي… لكن العلاقة العكسية تعطلت : الدولار حاليا قوي جدا، عند أعلى مستوى له منذ 15 شهرا. القاعدة المعتادة أن الدولار القوي يجعل الذهب أرخص ، فيقل الطلب عليه. لكن ما حدث فعليا في 2025-2026 كان مخالفا لهذه القاعدة ، الذهب والدولار ارتفعا معا في نفس الوقت! السبب أن الحرب والتوتر السياسي جعلا الناس يشترون كلا من الدولار والذهب كملاذين آمنين في آن واحد.
4 – سعر النفط : عندما اشتعلت الحرب بين أمريكا وإيران، ارتفع سعر النفط بشكل كبير. الآن، بعد بدء مفاوضات السلام، تراجع سعر النفط إلى ما كان عليه قبل الحرب (حوالي 70 دولارا للبرميل). النفط يؤثر على الذهب بشكل غير مباشر: ارتفاع سعر النفط يرفع التضخم، والتضخم يرفع الطلب على الذهب. وعندما يهبط النفط، تهدأ مخاوف التضخم، ويتغير المشهد مجددا.
كما انه هناك سبب اخر وهو شراء البنوك المركزية العالمية للذهب لتخزينه كاحتياطي استراتيجي ، والذي بلغ معدله 225 طنا خلال 2021-2025، ضعف المعدل المسجل في 2016-2020. ولذلك فأن تزايد الشراء يزيد سعر الذهب على المدى الطويل، والعكس صحيح.
والسؤال الذي يشغل بال الجميع : إلى أين يتجه الذهب خلال العام القادم؟ وحيث لا يمكن التنبؤ بسعر الذهب بشكل دقيق فأننا نرسم 3 مسارات محتملة ، تتأثر باجتماع الفيدرالي القادم: 28-29 يوليو 2026 والذي سيكون أول اختبار حقيقي لتوجه وارش بعد بيانات الوظائف الضعيفة. وكذلك مسار مفاوضات السلام الأمريكية-الإيرانية ووضع مضيق هرمز.
• المسار الأكثر احتمالا: ان تتراوح الاونصة ما بين 3,800 و5,000 دولار خلال العام القادم.
• مسار الصعود: إذا زاد التوتر السياسي في العالم، أو لم يرفع البنك المركزي الفائدة كما هو متوقع، فقد يصعد الذهب إلى 5,500-6,000 دولار للأونصة.
• مسار الهبوط: إذا استمر الهدوء السياسي ، او ورفع البنك المركزي الفائدة بقوة، فقد يتراجع الذهب إلى 3,300-3,700 دولار للأونصة.
سعر الذهب اليوم لا يتحرك اليوم بسبب واحد بسيط، ، حيث لم تعد المعادلة البسيطة العكسية بين الدولار والذهب هي العلاقة الحاكمة كما كان الوضع سابقا ، بل مزيج من العوامل أهمها التضخم ، قرارات الفيدرالي الأمريكي ، سعر الدولار ، سعر النفط ، الأوضاع السياسية ، شراء الدول للذهب. ولذلك فيبقي السؤال المحير خلال الفترة القادمة ” الذهب ….. الي اين ؟”
الخبير المصرفي: خالد عمران
هذا التحليل مبني على بيانات السوق المتاحة وهو لأغراض تحليلية وليس توصية استثمارية أو مالية
