20 يونيو 2026, 6:12 ص

حب أم شفقة ؟! قصة قصيرة لـ نورهان عبدالله

الرئيسيةمنوعاتحب أم شفقة ؟! قصة قصيرة لـ نورهان عبدالله

 

في الحانة البعيدة جالساً يترقب الماره ، يبحث عن شئ يفتقده ، كلما مرت أمامه إمرأة ينظر إليها نظرات إعجاب يظن أن واحدة منهم مصدر إلهامه ، يضع فرشاته ، يرسم ملامحها ، هى التي تجلس في نفس الحانة ، تتناول كأس نبيذ ، تداعب وجهها تتأمله في المرآة الأمامية  ، تضع أحمر شفاه ، وتعاود الشرب من جديد ، يترقبها كلية ٍ ، يحاول رسم ملامحها ، لم يستطع، شيئاً ما يجذبه إليها ، كأنه يحاول الإقتراب شيئاً ما يمنعه ، خجلها المرسوم على خديها ، اتجه إلى النادل ليخبره عنها ، لكنه فشل ، قال له :

_ هذه السيدة التي هناك ؟

_ نعم . هل تعرفها ؟

_ لا، تتردد علينا كثيراً ، لا تجالس احداً ، كل ماتفعله تشرب كأساً واحدا ًوترحل .

طلب منه أن يرسل إليها باقة من الكلمات الرقيقة في ورقة صغيرة معطرة ، اتجه إليها مبتسماً وقال لها :

_ تفضلي سيدتي هذه لكِ.

نظرت إليه بإندهاش ، ترك النادل الورقة ورحل ، راحت تفتحها بهدوء ، ثم تركتها ورحلت دون أن تلتفت إليه أو تبحث عن صاحبها .

اثارت حيرته ، ذهب إليها مسرعاً ، كانت فواصل عديدة بينه وبينها ، ركبت سيارتها ورحلت ، لم يحاول الوصول إليها أو ملاحقتها بسيارته ، ظل يتردد على الحانة كثيراً لعله يجدها من جديد ، لوحاته فارغة وجهها فقط ،عينيها ،شعرها الأسود يسيطر على مساحته الفارغة ، يومان ..اثنان ..ثلاثة .. أى طينة معجونة بها ، كيف لها أن تجذبه وهو الذي في كل يوم يتبادلهم بين الحين والأخر ، لم ترفضه أمرأة من قبل ، لم تتمنع أو تتمرد عليه ، يعلم جيداً مفاتيح كل شخصياتهم ، كيف يصل إليهم بسلاسة ويسر ، يعرف أن لوحاته التي تنتشر في معارضه بباريس هى لوحات لكل امرأة تسجل حوافرها على ظهره في ليلة حمراء ، يستطيع أن يخرج منها بلوحة لا تختلف عن لوحات دافنشي ، هو يعرف أن بيكاسو لم يستطع أن يجذب إليه أمرأة واحدة ، فيثق أن لو كان بإمكانه أن يضاجع واحدة منهم لكانت لوحاته خالية من السيريالية وربما الأشكال التكعيبية التي تطوقها.

اتجه إلى منزله وحيداً ، يفكر ، يشعل النور ، ويعود ليغلقه ثانية ، ويعاود فتحه ، استمر حتى الصباح ، لا يريد منها كما اراد مما عرفهم قبلها ، احياناً يبرر افعاله الدنيئة مع غيرها وتلك ، بحجة أن تصبح لوحاته متحررة تنطلق فيها المرأة بحرية ، بجنون ، تذكر وجهها الحزين عينيها الخضراء ، ردائها المتناسق ، شعرها الأسود ، عطرها المتبقى على كأس النبيذ من شفتها الصغيرة .

كان يستعد للمعرض القادم ،يعلم أن شيئاً ما يطارده ، دعاه أحد الأصدقاء إلى معرضه الجديد ، لا يود الذهاب ، لم يستطع أن يستكمل حياته بدون أن يراها ، لا يؤمن بالحب من النظرة الأولى ، يعلم أن نضجه يتغلب عليه ، عقله يسيطر كلما وجد امرأة لا ينجذب إليها ، إلا هى ، حركت جزءاً مات ، انتهى ، مشاعر تبدد عليها العقل وانتصر ، قرر أن يتجه كى يحيا من جديد ، كان موعد المعرض ، انتظر بالخارج صافح صديقه ثم هنئه عما قام به من خطوات جريئة ، نظر إلى اللوحات يتفحصها بشدة استوقفته لوحة تشبهها ، لعله يتأكد ، تشبهها جيداً ، كانت بجانبه تحاول البحث عن مكان آمن تستجمع فيه انفاسها ، لم يتمالك ذاته ، توقع أن الصدف  شيئاً من الجنون ، لا تحدث إلا اذا اقترب صاحبها على الإنتحار لينجده احداً صدفة ، هكذا شعر ، اتجه إليها مد يده ، نظرت إليه بإندهاش ، لا تعرف ماذا يقول ، انتهز الفرصة كى يعبر عن مدى إعجابه بها ، خاف أن يتصرف كالمراهقين كالذين  ينتظرون محبوبتهم ويطاردونها كلما مرت أمامهم ، سحب يده بعد أن رحلت من المكان ، استوقفها ، لم تسمعه ، قال لها :

_ انتظرتك كثيراً

ابتسمت ورحلت ، كتبت له :

_ اراك كثيراً في الحانة ، اشعر بإعجابك .

فرح كثيراً لكن الدهشة تملؤه يشعر كأنه طفل عاد إلى حضن ضاع في أن يلقاه سنوات ٍطويلة ، لماذا لم تحدثه هذا ماثار جنونه ، اطلعه صديقه أنها خرساء وأن حظه سعيد لأنها تحدثت معه ، قال له أن الوحدة رفيقاً لها ، وأن لا شئ يستهويها مثل لوحات الفن التشكيلي لذلك ربما يكون السبب في إعجابها به .

وقف أمام لوحته كثيراً بعد أن اتجه في كل مكان يرفض فيه العودة إلى المنزل ، وضع فرشاته لم يستطع أن يستكمل ، كل هذه التناقضات تسيطر عليه هو الطفل والرجل ، المراهق والناضج ايضاً ، القاسي والحاني ، لم يستطع أن يستكمل ماتبقى من وجهها ، كان صعباً عليه ، لماذا كل هذه القسوة تجاهها ، لماذا كل هذا العجز ، لماذا كل هذا الشلل ، اسئلة تطارده ، شعر أن صداعاً شديداً يتغلب عليه ، لا يقوى عليه ، حاول أن يبسط الأمر لكن دون فائدة ، انتظرها في الموعد المحدد داخل الحانة ، كانت فارغة لا احد سواه كأن موعداً يرتبه القدر لهما ، وجدها تجلس هناك ، تشرب كأسٍ من النبيذ مثلما رآها في المرة الأولى ، لكن أشياء كثيرة تبدلت عن هذه المرة مشاعره انقلبت عليها ، دون ذنب .

قرر أن يفاجأها بلوحاته ، كانت ملامحها جميلة ، لم يتبق إلا جزءاً بسيطاً من وجهها ، لم يكتمل فمها ، ربما لأن تفكيره بها سيطر عليهه ، نظرت إلى اللوحة ، تلمستها برفق ، وقفت عند المساحة الغير مكتملة ، وضعت يدها على فمها ، وراحت تبكي بشدة ، نظر إليها ، توقع أنه قد تعدى على خصوصيتها وأن انتصاره في جرحها قد تغلب عليه ، وجدت فمها الصغير لم يكتمل ، شعرت بعجز كبير منها تجاهه ، وقد كتب أسفل لوحته :

_ سامحيني لم اعرف هل هذا حب أم شفقة ؟ !

 

المادة السابقة
المقالة القادمة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

خدمات الموقع

شاركنا

إعلانات مبوبة

كتاب الموقع

admin
46 المشاركات0 تعليقات
Ahmed adel
792 المشاركات0 تعليقات
ahmedm
151437 المشاركات0 تعليقات
Amgad Galal
0 المشاركات0 تعليقات

الأكثر مشاهدة