ليس من فقه السياسة أن تُوزن المواقف بعلوّ النبرة، بل بموضع الدور وحدود الوظيفة. فمن توهم أن مصر تقف ضد الخليج لمجرد اختلاف الخطاب أو غياب التصريح الذي يدغدغ مشاعره ويوافق أهواءه، فقد قرأ المشهد بعين المتابع البسيط لا بعقل الدولة؛ إذ يخلط بين ما يُقال في العلن، وما تقتضيه إدارة التهدئة في لحظة تختلط فيها النار بالحساب.
وكيف يُتصور أصلا أن يتحرك رئيس دولة بحجم مصر وعبد الفتاح السيسي في مسار تهدئة مع واشنطن وطهران دون علم أصحاب المصلحة المباشرة، وفي مقدمتهم دول الخليج، فضلا عن رضاهم أو تفويضهم وممثلا عنهم؟
فالوساطة لا تُبنى على الاندفاع، بل على قبول متبادل، ولا تُدار بالاصطفاف، بل بانضباط التوازن. ومن ثم فدور مصر، كحال باكستان، ليس انحيازا، بل وظيفة ضبط: خفض الكلفة، ومنع التمدد، وحراسة الإيقاع. فالصمت هنا سياسة، والحياد تدبير، لا خذلان.
