ليس الهرب من الحقيقة نجاة، بل قد يكون من أدهى حيل النفس حين يثقل عليها احتمال ما ترى؛ فتعدل عن المواجهة، لا لأن الواقع تبدل، بل لأن النظر إليه مباشرة أوجع من أن يُحتمل.
غير أنّ الإعراض لا يرفع الوجع، كما أنّ التسمية لا تغير طبيعة المسمى؛ فما يُدفع عن باب الوعي لا يسقط من الوجود، بل ينحدر إلى الداخل، حيث يرسخ في العتمة، ثم يعود أشد حضورا وأعظم سلطانا.
ولهذا لا يكون إنكار الذات فناء يطهر، بل كثيرا ما يكون تعطيلا للموضع الذي يبدأ منه الإصلاح؛ لأن الذي يتألّم لا يشفى بإبطاله في العبارة، ولا يبرأ بإلغائه في التصور.
فالألم لا تمحوه البلاغة، ولا تُسقطه الدعاوى المجردة، بل يبقى شاهدا على حقيقة لم تُحل، وجرح لم يُمس من أصله.
فإن كنت تتألم الآن، فليس ذلك دائما علامة سقوط، بل قد يكون أول تصدّع في قناع طال إحكامه، وأول صدق خرج من نفسك بعد طول مراوغة؛ إذ تبدأ النجاة، لا حين تُعدم ذاتك، بل حين تكف عن الكذب عليها.. HB
