ليست الطيبة ضعفا، بل قدرة محكومة بإرادة؛ إذ لا يكون الكفّ عن الأذى فضيلة إلا ممن قدر عليه ثم آثر تركه…
فالطيب لا تغيب عنه وجوه الإيذاء، ولا تلتبس عليه منافذه، لكنه يحجز نفسه عنه؛ لا عجزا، بل ترفعا، ولا غفلة، بل تبصرا بالعاقبة، وسيادة على الدافع…
وهنا ترتفع الطيبة من خُلق يُظن به اللين الساذج إلى مقام أرفع: حكم على النفس، وضبط للقوة، وكفّ للقدرة عن أن تنحدر إلى ما تقدر عليه…
أما الغفلة فليست براءةً، بل قصورُ وعيٍ يُسقط معنى الاختيار؛ فالمغفّل لا يترك الشرَّ سموًّا، بل يفوته جهلًا، فلا يُنسب إليه فضلُ الكفّ، لأنه لم يدخل أصلًا في امتحان القدرة.
ومن ثمّ فليست العبرة بسلامة النتيجة وحدها؛ إذ قد يكفّ اثنان، وبين كفهما من البون ما بين السيادة والنقص: هذا أمسك نفسه مع القدرة، وذاك سَلم الناس منه لفقد الأداة أو ضعف الإدراك.
ولهذا كانت الطيبة شرفا لأنها مُختارة، لا لأنها ميسورة؛ ومن خلط بينها وبين العجز لم يخطئ في الوصف فحسب، بل هدم معيار الفضل من أساسه.






