قد تتساءل: لماذا تتباين الآراء حول الحدث الواحد؟ ليس ذلك من فقر الخبر وحده، بل من اختلاف الهيئة التي تُستقبل بها الواقعة؛ فالعقل لا يرى ما يقع فحسب، بل يرى أيضا ما استعدّ لأن يراه…
فقوم يدخلون الحدث بعقل معسكر لا بعقل ميزان؛ فلا يطلبون كشف ما جرى، بل تثبيت ما اصطفوا عليه من قبل، فيجعلون الواقعة شاهد ولاء لا مادة فهم.
سؤالهم: من معنا ومن علينا؟ لا: ما منطق ما جرى؟ ولذلك يفتشون عن راية يعلّقون عليها انفعالهم، لا عن بنية تفسر مساره…
وأما العقل الموضوعي، فيتلقّى الواقعة بمسطرة المعيار؛ ينظر في علتها، وكلفتها، ومآلها، لأن الأحداث لا تصدق في صخبها، بل في نظامها، ولأن الصورة قد تخدع العين، أما البنية فتهدي العقل…
فالاصطفاف يقين سريع وبصيرة ناقصة، والنظر الموضوعي حكم أبطأ وفهم أصدق؛ فليس أعمى من عقل لا يرى من الواقعة إلا موقعه منها، ولا أبصر من عقل يزنها بميزانها لا بمرآته.








