قالت النفس: كيف أزن قيمة ما بين يديّ؟
قال العقل: لا تطلبي من الأداة شهادة في نفسها؛ فإن كلّ أداة تُعرف عند حدّها، وتُكشف لا بما تَعِد، بل بما تُحسن وما تعجز عنه…
قالت النفس: ومتى يكون الانتفاع بها رشدا؟
قال العقل: حين تدخلين إليها بسؤال مُحكم، وغاية بيّنة، ومعطيات كافية؛ فالغموض لا يستخرج دقّة، والاضطراب لا يلد جوابا مستقيما، ومن ألقى إلى الأداة فوضاه، عاد إليه صداها في ثوب ترتيب…
قالت النفس: أتصيب دائما؟
قال العقل: لا؛ تقوى حيث يُطلب الربط والصياغة، وتضعف حيث تغيب الوقائع، أو تتبدل المعطيات، أو يُطلب منها يقين لم تُعطَ أسبابه. فهي تُحسن ترتيب الممكن، لكنها لا تخلق الحقيقة من فراغ…
قالت النفس: فما ميزانها إذن؟
قال العقل: ميزانها في خدمتها لا في هيبتها؛ وفي إنارة الطريق لا في أن تمشي بدلا عنك. فليست كل إجابة وعيا، ولا كل سرعة فهما، ولا كل إحكام ظاهر برهانا…
قالت النفس: وما حظي أنا؟
قال العقل: أن تبقي صاحبة المعيار؛ تستعينين ولا تستسلمين، وتسألين ولا تنقادين، وتنتفعين ولا تذوبين. فإن جئتها بعقل حاضر أعانتك، وإن سلّمتها زمامك، جعلتِ الخادم سيّدا، والعون وصاية.
فالذكاء لا يقوم مقام الميزان، بل يكشفه؛ ومن فقد معياره لم يملك أداة تعينه، بل أقام عقلا خارجه، ثم عاش صدى له.. *HB*








