يهجر المرء بعض من أحب، لا لأن مودته انطفأت، بل لأنه أبصر في قلوبهم فتورا لا يخطئه الحدس، وميلا إلى فراقه لا يليق معه الإقامة على باب أُغلق معناه وإن بقي رسمه…
فيمضي عنهم، وفي النفس منهم حنين صادق، غير أنه حنين محروس بالعزة، لا يهبط بصاحبه إلى مواضع الامتهان، ولا يسوقه إلى وصال يُنال بذلّ السؤال…
فليس كلّ ما اشتهاه القلب حقيقا أن يُطلب، ولا كلّ من نازعت إليه الروح جديرا أن يُتبع؛ إذ قد يكون في بعض القرب كسر متطاول، وفي بعض البعد سلامة تحفظ للمرء بقيّة قدره…
ومن صحت نفسه، لم يجعل شوقه سلطانا على كرامته، ولم يرضَ أن يمدّ قلبه إلى موضع لا يُمدّ إليه فيه قلب آخر…
فبعض الفراق وجع شريف، وبعض الوصال مهانة مستورة؛ والعاقل من آثر ألما يصون مقامه على قرب يبدد ماء وجهه…








